OSAKA, Jan 19 (News On Japan) - تتسارع موجة الانتقال إلى المناطق الريفية في اليابان مع توجه المزيد من العائلات إلى ما وراء حياة المدن بحثاً عن مساحة أوسع وروح مجتمع أقوى وبداية جديدة، في وقت لا تزال فيه المخاوف بشأن العمل والراحة اليومية والاندماج في شبكات محلية مترابطة تمنع كثيرين من اتخاذ القرار.
وبحسب وزارة الشؤون الداخلية والاتصالات، واصل عدد الاستشارات المتعلقة بالانتقال إلى مناطق جديدة ارتفاعه عاماً بعد عام، مسجلاً رقماً قياسياً بلغ نحو 430 ألف حالة في السنة المالية السابقة.
ورغم تزايد الاهتمام، يقول كثيرون إنهم يترددون في الانتقال بسبب القلق من العمل ومستوى الراحة والخدمات والعلاقات داخل مجتمع جديد. ويعرب بعضهم عن إعجابهم بفكرة تربية الأطفال في بيئة أكثر انفتاحاً، لكنهم يقلقون بشأن الوصول إلى المستشفيات واحتياجات التنقل اليومية وما إذا كانوا قادرين على التكيف مع نمط حياة مختلف.
ولمعرفة ما تبدو عليه الحياة الريفية فعلاً، تابع البرنامج أشخاصاً تركوا المدينة بالفعل.
وسافر فريق التقرير نحو 90 دقيقة بالسيارة من أوساكا إلى بلدة كاتسوراغي في محافظة واكاياما، وهي بلدة يبلغ عدد سكانها نحو 15 ألف نسمة وحوالي 7 آلاف أسرة. وتشتهر كاتسوراغي ببيئتها الطبيعية الغنية وبقربها من مواقع تراث عالمي، كما تُعرف أيضاً بأنها “مملكة الفواكه” حيث يمكن الاستمتاع بتجارب قطف الفواكه على مدار العام.
ومن بين العائلات التي اختارت الانتقال إلى هناك، عائلة يوكيكو إيهارا التي انتقلت قبل سبع سنوات من منطقة تينماباشي في أوساكا. وهي تعيش الآن مع زوجها يوشيهيسا وأطفالهم الثلاثة ضمن أسرة مكوّنة من خمسة أفراد.
وتقول إيهارا إن إحدى أكبر المفاجآت بعد الانتقال كانت قلة الإزعاج أو الصعوبات في الحياة اليومية، بما في ذلك توصيلات التسوق عبر الإنترنت. ويضم منزلها، المصمم وفق طابع ياباني حديث، غرفة معيشة واسعة بمساحة 33 حصيرة تاتامي، صُممت خصيصاً لتمنح العائلة مساحة أكبر بكثير مقارنة بشقتهم السابقة في أوساكا.
ومع تراجع القلق من شكاوى الضجيج من الجيران، يستطيع الأطفال اللعب بحرية، كما يزور الأصدقاء المنزل بأعداد كبيرة بعد المدرسة. وتضيف إيهارا أن المجتمع المحلي يتشارك أيضاً شعوراً قوياً بتربية الأطفال معاً، حيث يحيّي السكان الأطفال ويراقبونهم أثناء سيرهم اليومي إلى المدرسة.
وكان زوجها، الذي أحب المناطق الريفية منذ البداية، أول من اقترح فكرة الانتقال. أما إيهارا فقد قاومت الفكرة في البداية، قائلة إنها لم تتخيل العيش في مكان لا تعرف فيه أحداً ولا تملك تصوراً واضحاً لكيفية سير الحياة اليومية.
كما واجهت صعوبة في اتخاذ القرار بسبب مسيرتها المهنية. فخلال حملها الأول، تعرضت لمضاعفات شديدة واضطرت إلى ملازمة الفراش لأشهر، ما جعلها تشعر بالعزلة وهي ترى زملاءها يحققون تقدماً مهنياً. وقد دفعتها تلك التجربة إلى الإصرار على ألا تفقد مسيرتها المهنية مرة أخرى، كما وجدت صعوبة في تقبل ترك شركة شعرت أنها ما زالت مدينة لها بالامتنان، ولا سيما تجاه مرشد يُدعى نومورا دعمها منذ أيامها الأولى كموظفة جديدة.
وفي النهاية، تقول إن طريقة تفكيرها تغيرت بعد ولادة طفلها الثالث، حين نظرت إلى الجبال المحيطة وشعرت بقوة أنها تريد الحفاظ على الطبيعة من أجل جيل أطفالها. وقررت أن تركز مسيرتها المهنية التالية على الأمهات والأطفال، والتزمت بالبدء من جديد.
وبعد الانتقال، غيّرت إيهارا نهجها من خلال إعداد “كتاب عرض” يدوي مصنوع من الورق المقوى، استخدمته للتعريف بنفسها وبأفكارها التجارية للأمهات المحليات والمزارعين وحتى مسؤولي البلدية مثل رئيس البلدية ومشرف التعليم.
وكانت إحدى أفكارها الرئيسية تطوير وجبات خفيفة تشبه حلوى الجيلاتين (غومي) مصنوعة بالكامل من الفواكه. ولاحظت أن الفواكه التي تتعرض للكدمات أو تأتي بأحجام غير مطابقة للمعايير التجارية غالباً ما تُهدر، فاستفادت من شبكتها للحصول على هذه الفواكه مباشرة من المزارعين.
وتتم معالجة الفواكه في منشأة تدعم توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة، ثم تعاونت إيهارا لاحقاً مع أستاذ من جامعة محافظة أوساكا لتطوير تقنية تجفيف فريدة تمنح الفاكهة قواماً يشبه الغومي، وهي عملية تطوير مشتركة استغرقت عامين.
وبالاعتماد على هذا المشروع، أنشأت مساحة لتجارب الزراعة خلف منزلها حيث يمكن للزوار قطف التوت الأزرق وفواكه أخرى. ولاحقاً اقترضت 37 مليون ين لإزالة الأراضي الزراعية المهجورة بجوار منزلها وافتتاح موقع للتخييم، أصبح يحظى بشعبية كوجهة مناسبة للعائلات.
وخلال التصوير، وصل شباب بشكل مفاجئ إلى منزلها، كاشفين جانباً آخر من قصة انتقالها. فقد كانوا متطوعين قدموا من أنحاء اليابان، بما في ذلك طوكيو وأوكيناوا، بعد أن ألهمتهم رؤيتها عندما كانت تبني موقع التخييم. وبقي بعضهم في المكان لفترات طويلة، وشكلوا صداقات دائمة، بل وتزوج بعضهم بعد أن تعارفوا عبر هذا المشروع.
وتقول إيهارا إنها تعتقد أن هذا الانتقال غيّر حياتها بالكامل، وفتح أمامها أسلوب حياة جديداً بعيداً عن المسار التقليدي القائم على الانتماء إلى شركة واتباع مسار مهني ثابت. وتؤكد أن الانتقال بحد ذاته ليس الهدف، بل هو مجرد وسيلة، وأن السؤال الحقيقي هو: أي نوع من الحياة والمسار المهني يريده الشخص فعلاً.
كما تقول إنها بمجرد أن قررت السيطرة على حياتها بنفسها، بدأت تسمع كلمة “شكراً” أكثر من السابق، وأدركت أن الشعور بالهدف الذي اكتسبته هو ما كانت تفتقده.
وفي الوقت نفسه، تعترف بأن للحياة الريفية سلبياتها، ومنها سرعة انتشار الشائعات داخل المجتمعات الصغيرة، إلى درجة أن الغرباء قد يعرفون تفاصيل شخصية بعد وقت قصير من وصول شخص جديد.
ويخلص التقرير إلى أن الانتقال إلى الريف لا ينبغي تقييمه فقط من خلال اعتبارات عملية مثل الراحة والعلاقات أو العمل، بل من خلال ما إذا كان يسمح للإنسان بأن يعيش بطريقة يشعر أنها صادقة مع ذاته.
Source: KTV NEWS



